السبت، 7 يناير 2012

أنســاق التـوازن الصـوتي في شعر محمود درويش مقاربة وصفية تأويلية


أحمد بلحاج آية وارهام

أنســاق التـوازن الصـوتي

فــــي
شعـر محمـود درويـش

 

 

مقاربة وصفية تأويلية



الطبعة الأولى 2010


عنوان الكتاب: أنسـاق التوازن الصوتي في شعر محمود درويش
الـمؤلـف  : أحمد بلحاج آية وارهـــــام
الـطبعــة : الأولى 2010   
الناشـــر :  أفروديت
المطبـعــة : مطبعة وليلي – الهاتفاكس: 48 40 31 24 05
رقم الإيداع القانوني:   2010 MO 0688
     
العنوان: ص، ب: 461 مراكش/ المدينة 40008 المغرب
الهاتف: 76 43 34 6106



إهــداء


إلـى روح بْرُومِيثْـيُوسْ القصيدة الـعـربية الـمـعــاصــرة الـشـــاعـر الـكبيـر محـمــود درويـــش فـي الذكــرى السنويــــــة الثــــــانية لرحـــيله 07/08/2010م.
وإلــى عشّــاقه المتناسلين نورا وازدهاء  في مَجَرّة إبداعه.

مقدمــة


 
في ظل الغياب، وضراوة الفقدان، ستبقى القراءة وهمًا يستحضر الذات، ويخطط للإمساك بالمحلوم به في شِبَاكٍ تنزف ضياءا. وأيًّا كان لونها فإنها ستظل أشبه بساحر warlock يتأنق في تحويل الجحيم underworld إلى سماء مرفوعة على غير عَمَدٍ، وغرس نخيل النسيان فيها.
إنها قراءة تعتقد بدئيا أنها ستطفئ حرائق الغياب في مطار الذاكرة والقلب، وبخاصة إذا تعلق الأمر برمز استثنائي نزل في هذا المطار بصيغة أبدية، ووضع كينونتنا، المنفية في الفظاعات، وفي عوالم: الكَوْكَلَةِ واُلْمَكْدَنَةِ والبَزْنَسَةِ، في أرض شعرية استثنائية، نتعرف فيها على ذواتنا التي مارس عليها السياسي والديني والإيديولوجي أنواعا من الحجب مهينة، وأنواعا من الاغتصاب حقيرة، ونتنفس فيها زمنا جماليا غير الزمن المستبد الذي بتر أحاسيسنا، وشوَّهَ رؤانا حتى صرنا نتصادى مع المألوف والمتواطأ عليه، ونشنق زهرة الاختلاف الراقصة في أعماقنا.
هل القراءة بهذا الوجه ستجعلنا نقطع مع سلوكيات تريد منا العيش في غرف لا يتنفس فيها إلا غبار الموتى، ولا يتحرك فيها إلا ظلّ النمطية الماسخ؟ وهل امتطاؤها سيقرّبنا من محمود درويش بروميثيوس القصيدة العربية المعاصرة المحلق في زرقة الأبجدية حاملا على كاهله كل أحلامنا الـمُنْشَدَّةِ إلى اللانهائي؟ وهل درويش غائب حتى نستحضره بالقراءات؟ أم أننا نحن الغائبون في حضورنا نتسول الحضور بمقاربة إبداعه؟
إن شاعرا بحجم درويش لن تحيط به القراءات مهما اتسعت آلياتها وأدوات اشتغالها، لأنه شاعر إشكالي إبداعا وحياة، ينفلت من الزمني إلى اللازمني. شعره متجدد مع كل نبض، منفتح على اللانهائي الذي يسكننا ولا نراه، له صورة مضيئة في قلب كل قارئ، حتى إن صوره لتتعدّد بتعدد أمسياته الشعرية التي كان يجدد فيها الوجود بإنشاده الفريد المتفرّد، وبتعدد السياحة في مجرّته الشعرية.
فمن أين أتته هذه الطاقة الإنشادية السحرية التي تجذب الجمهور إلى مدارها؟ وكيف تناسجت مع بنية الخيال وتحولات الدلالة؟ ذلك ما ستحاول هذه المقاربة الوصفية التأويلية الإجابة عنه، من خلال رصد أنساق التوازن الصوتي في شعره وتماهيها مع بنية الخيال وتحول الدلالة، وذلك في ثلاثة مباحث، هي:
1-        فضاء اللعبة الشعرية.
2-        أنساق التوازن الصوتي فيه.
3-        تساوق الأنساق مع الدلالة والخيال.
ولا يخفى أن درويشا بحمولته الثقافية العربية والكونية قد اجترح في شعره من الإيقاعات والأنساق الصوتية إنشادا وكتابة ما لم تعرفه الشعرية العربية من قبل، وهذا أحد مؤشرات حداثته العالية، إضافة إلى خروجه على عروض الخليل بطريقة أذكى حسا وأرهف، وأرق وأطرف. مع أنه سيد من كتب القصيدة على النهج الخليلي بنفسٍ حداثي مفارق، لا أجدَّ منه، ولا أبدع، سواء في دواوينه الأولى، أو في آخر ديوان له. فهو شاعر جمع جماليات الشعرية الكونية إيقاعا ولغة وتخييلا وأناقة وحيوية في بِلَّوْرِ الشعرية العربية المعاصرة، وذلك بحس المبدع الخلاق، وشفوفية المتوغل في اللانهائي بفرس اللغة التي لم يتكلمها إلا هو، لأنها هي ذاته المشتعلة بين قطبي الموت والحياة.
وختاما؛ نأمل أن ترضى روحه بهذه المقاربة التي نقدمها صلاة دالة على غيابنا في حضرة حضوره المتلألئ حياة.
المبحث الأول

فضاء اللعبة الشعرية

1-   تحليق في زرقة الأبدية:
تنهض عمارة درويش الشعرية في فضاء تهيمن عليه تقانات تعبيرية خاصة، وأدوات مشحوذة بمهارة، وذات سحر تعبيري وتصويري وأدائي ورمزي وسيميائي نوعي خاص في منحاه البلاغي والأسطوري المنبثق من الذات مما مكّنه من ممارسة لعبته الشعرية ببراعة مدججة بأقوى ما يمكن أن تواجه به الذات الموت.
فهو قد اخترع لعبة الموت والشعر في داخل الشعر مقرونة بلعبة الحياة، بحيث أصبحت هاتان الموضوعتان مضماره الشعري الأثير والأصيل والجوهري والحيوي والفعال والمنتج وظاهرة وجودية يتنفسها متنه الشعري في مختلف سياقاته معجما وصورة)1( حتى أنك لتجد كلمتي "الموت والحياة" وما اشتق منهما، أو أخواتهما الدالة عليهما والسائرة في فلكهما الدلالي، تكادان تهيمنان على معجمه وعلى سياقاته الجمالية، كما توضح ذلك هذه الخطاطة.

                           فضاء اللعبة

          الموت        ــــــــــــــــــــــــ            الحياة
                           الشعرية
فهو قد فلسف الموت والحياة شعريا، وتعامل معهما بوصفهما موضوعين حيين، وليسا وجهين متناقضين، أَنْسَنَهُمَا وحاورهما، بحيث نشاهدهما في مساحة الأنسنة والحوار هاته، ونتمثلهما، في صيرورتهما، وندنو منهما شعريا إلى حدّ التوحّد والاندماج، فيهيمنان علينا شعريا بسبب تداخل الأبعاد النفسية والجسدية والفلسفية والروحية والشعرية والثقافية والـمادية، على نحو فائق التضافر والتشابك والتنافذ والتعاضد والتماهي والجدل لتحويل فكرتي الموت والحياة، بمنطقهما الواقعي والفيزيقي المشابه لوجهي جَانُو، إلى فكرة شعرية خاضعة لمنطق الدوال ومنطق الخيال، وإلى معادلة أَسْطَرَةِ الشاعر وذاته الشعرية، والارتفاع بهما خارج البعد الإنساني القابل للموت والحياة بالمعنى المادي التقليدي- ولنفكر هنا في حالة جلجاميش بعد موت أنكيدو- على نحو يتسامى فيه الشعر والشاعر، قصد الوصول إلى درجة لا يعني موتُ الشاعر موتَه، وإنما يعني طيرانه حتى الأزل.
وبهذا التصور تكون أعمال درويش؛ من "عصافير بلا أجنحة" إلى " أثر الفراشة" الذي هو آخر ما طبع له قبل وفاته بشهور، خلافا لما ذهب إليه الدكتور جابر عصفور*؛ عبارة عن رواية لقصيدة الموت والحياة، تشي بكل الأحلام المنشدَّة إلى اللانهائي، وتحول الغامض إلى واضح، والواضح إلى غامض، شاردة في الغيب الحالم، وحاضرة في الغيم العربي والإنساني بوهيج جرحها المتفائل بالآتي. إنها أعمال ترتفع مع جماليات اللغة وسحر الإنشاد إلى إيقاعات غنائيـة تجمع جـرثومـة )= أصل( الشعر العربي بحداثته، وتضيف إليه ألوانا وأساليب تتحايل على الموت )= الجرح، الدمار، الحرب، الجوع، المرض، الكراهية، العنصرية، الفقر، الاستبداد... إلخ(، ودرامية الأحداث، والغربة، لتحولها من وقائع وظواهر إلى رموز عاليات من رموز الحياة )= الحب، السلم، الثراء، الأخوة، الحرية، العدالة، الجمال، الاختلاف، الخصب ...إلخ )
فالإنهمام بالموت والحياة هو انهمام بجوهر الجوهر في الوجود اللامرئي فيزيقيا، وشعر درويش في العمق هو اشتغال على هذا الإنهمام، وتنويعٌ لِصُوَّاه، واستنطاق لأليافه، وتوسيع لمداه، وذلك بطريقتين فنيتين، هما: التوازن الصوتي والتساوق الدلالي. فهما سمتان شعريتان تصاحبان نصوصه الشعرية وتمنحانها أجنحة تطير بها إلى حضارة المعنى المغرية بالأحافير الدلالية العذراء. مما يجعل منهما بنيتين متجادلتين في الجسد النصي، لإبراز دينامية فكرتي الموت والحياة المشار إليهما، وفاعليتهما في الذات والعالم. ومن ثمة يكون الشعر بهذا المعنى مكنـزَ الوجود، ولغة ممكناته واحتمالاته، فيه يمارس الوجود لعبة الحياة )= الحب( ولعبة الموت )= الكره(وفق جدلية الملء والإفراغ، الإثبات والمحو.
ولهذا لا نرى غرابة في تعادل معجم الموت والحياة في نصوص درويش، منذ تجاربه الأولى إلى وفاته، وإن كان هذا التعادل تختلف نسبته من أثر إلى آخر، حسب وقع الأحداث على الشاعر، وحسب انتصاب راداره الشعري في الزمكان، فهو الذي يلتقط بـرهافته العالية ما تومض به أنا الشاعر الباطنيـة The inside الموغلة في الشقوق والتساؤل، وما تعايشه من تحولات مفجعة أو سارة في العالم )2(. وأول ما يمكن تسجيله على طبيعة معجم الحياة والموت عنده هو كون أغلب المعاني تتحرك صَوب رصد حركية الموت والحياة من خلال عدستي العام والخاص، اللذين يتناسجان وفق استراتيجية فنية جمالية تطرح مفهوم الموت والحياة في صورتين:
الأولى: تقوم على تحويل الموت إلى حياة نابضة بالتوهج والتألق، كما هو في موت الشهيد الذي هو عتبة أساس للدخول إلى الحياة بمعناها الأسمى )الأرض، الحرية، العدالة، الحب، الجمال، الإخاء(.
الثانية: تقوم على تذويت الموت، وتأمله، ومحاورته في سياق الرؤية الفردية المدعومة بمرجعيات ثقافية متباينة، وبتجارب الذات في مختبر الوجود )3(.
وقد ساعدته على هذا الرصد تنقلاتُه العديدة داخل الجغرافيات والثقافات بفضل استغلاله الأمهر لاستراتيجية التسمية، ثم إنصاته الحادّ للأشياء، ومدلولات لغاتها، بأذن شعرية، لا أذن سياسية إيديولوجية دينية، سلطوية ماحقة.
2 - استغلال استراتيجية التسمية:
وإنا لنعتقد أن النقد سيتعب كثيرا كلما حاول تقويم قصيدة درويش المنتسجة بفكرتي الموت والحياة، حتى ولو تخفف من الإكراهات والضغوطات والالتواءات التي تباشرها نعوت من قبيل: رومانسي، عاطفي، منبري، ترويجي، إيديولوجي، نرجسي. فدرويش واع بكل هذا، وقد استغله لصالحه ضمن استغلاله استراتيجية التسمية كشاعر المقاومة، حيث تلقف هذا اللقب بذكاء ووعي مبصرين، واشتغل على توسيع حدود تداوله جماهيريا ونقديا وجماليا بأساليب غاية في الدهاء، فحقق بذلك انتصارا للشعر، حيث انتقل به من المحو إلى الوجود في قلب العالم، وذلك باعتماده على ثلاث ركائز، هي:
1- كونه شاعر قضية، بأرقى معاني هذا المصطلح، حيث تماهى الشاعر فيه مع الرمز، وصارا كيانا واحدا موحدا.
2- كونه شاعرا نجما، له سلطة جمالية واسعة على جمهور الشعر، ترتقي به إلى مرتبة الفرادة التي لا ينافسه فيها أحد، ولذا يتكبد عشاقه المشاق للذهاب إلى الاستماع إليه، وهو جوهريا ذهابٌ بعيدٌ إلى أنفسهم.
3- كونه شاعرا طليعيا مهموما بتوسيع أفق القصيدة، وإرهاف قدراتها التعبيرية والبنيوية عمقا ونفاذا )4(.
وقد استجابت عاطفة المتلقي لهذه الركائز استجابة تماهت فيها الذات المتلقية مع الذات الفلسطينية ممثلة في بروميثيوسها ونجمها الشعري العربي البازغ بكاريزمية لا منافس لها في طرق الإنشاد والأداء والحركة، وفي التلوين التعبيري والإيقاعي. وهذا كله يرجع إلى الجمع بين هذه الركائز، إذ في هذا الجمع يكمن سحر درويش، وتحققه المعجز، الذي أرضى به الجماهير العريضة، وعبر عن صبواتها ورؤاها، واستقطب اهتمام النخبة المثقفة التي تتطلع إلى مستويات شعرية أعمق، وتحن إلى أصقاع مجهولة على الدوام.
إن وعيه الحاد بأن شعرية الوجود تكمن خلف ما هو موجودٌ، وأن القصيدة حركة وحلم وتوق إلى اللانهائي، هو الذي جعله يستقيل من السلطة بكل تجلياتها، لأنها تربط البحث الشعري بمناسباتها وأزمنتها، ناسية أن عالم الإنسان يفيض في وجوهه المختلفة على التمجيد والتحريض والاستنهاض والرثاء)5(، وأن الشعر هو لحن الحياة المنبثق من اللحم والدم، والمعجون بتجربة البشر، وتجربة الشاعر الشخصية، لا ذلك الهيكل الآتي من المعاجم وغبار التقاليد.
فشعره لا يمكن فصله عن فكرتي الموت والحياة، فكلاهما يخترق أعماله، فللحياة في جسده النصي سحر يتركنا مذهولين أمام وقعها وتحولها إلى كلمات تقولنا دفعة واحدة، كما أن للموت فيه معنى هو الذي يعطي الحياة المعنى. ولذلك انشغلت دواوينه الأخيرة بسؤال الموت، فهو يتحداه، ويتأمل أناه، ويحاورها في لحظة كأنها البرزخ بين الحياة والموت، مستخلصا من هذا الحوار أنواعا من الموت الكامنة في سؤال الوجود تواجهُها أنواع من الحياة المواربة، تسخر بالموت، وتخترع الأمل، وتجعلنا نعي جماليات شعر الشاعر، التي تعلمُنا -كما يقول- أن "من يكتب حكايته، يرث أرض الكلام، ويملك المعنى تماما". ودرويش كتب حكايته، وورث أرض الكلام، وامتلك المعنى، فأعطى الشعر بعدا حياتيا عميقا، وبعدا أونطولوجيا دافقا، وبعدا جماليا مفارقا، وذلك ضدا على مساهمة النقد والإعلام يدا بيد مع الأنظمة الديكتاتورية والعولمة وعقلية الكَوْكَلَةِ والمكْدَنَةِ في إقصاء الشعر عن الحياة.
وعليه، فإن هاجس درويش وهو يحوّل الموت إلى حياة ذات معنى، ويذوتُه ويحاوره، كان هو هاجس الشعرية وليس هاجس الشكل، وهاجس القصيدة المرتعشة بضوء المستحيل.

3 - ارتعاش القصيدة بضوء المستحيل:
فعرش النجمية الشعري الذي استوى عليه قد ألقى على عاتقه صخورا أثقل من صخور قضيته الوطنية، وأشد إيلاما. إنها صخور فنية لا يحس بها إلا شاعر استثنائي في زمن استثنائي وجارح، فالتعاطف مع القضية والصعود إلى النجمية لا يكفيان لصنع شاعر حقيقي، ولا لتثبيت قدميه في أرض الزمن اللانهائي. ولذا قام درويش بإشعال الحرائق في ذاته بزيت التحديث والتجديد والتطوير، ليصل إلى قصيدة إشكالية كونية يتناسج فيها الموضوعي والشكلي بلا عوائق، وتتنافذ فيها الرؤى تنافذ الضوء في الماء، والعطر في الحلم.
وبهذا الوعي الشديد التركيز، والبالغ الخصوبة، أنجز درويش مفهوما جديدا للشعر من خلال اللعب الموغل في التميز والخصوصية على أرض اللغة بمكوناتها الطبيعية الأولى غير المحروثة، "حيث أخضعها لعجينة شعرية شديدة اللدانة والمرونة والتماسك، ينفتح فيها عقل اللغة التخييلي والإيقاعي والمجازي على إمكانات وقيم وظلال، وطيات وتخوم تتضاعفُ فيها الطاقات السيميائية والتشكيلية للدوال، وتتمظهر في سياق التكوين الشعري وكأنها لغة لم ينطق بها سواه")6(. فهو قد خبر كل التقنيات الشعرية المعروفة في منجز الشعرية العربية والعبرية والغربية بذهنية متوقدة، وتخييل شفوف، وثقافة بصيرة بالخرائط على نطاق الشكل الكمي والكيفي متعددة الأوجه: القصيدة القصيرة، والقصيدة الطويلة الشاملة المركبة، والقصيدة اللقطة. فمثلا نجد في قصيدتـه الديوان " تلك صورتها وهذا انتحار العاشق" ذلك الفضاء الأمثل الرحب الذي جرب فيه الشاعر طاقة اللعب التي تنطوي عليها حساسيتُه الشعرية، ودرامية القصيدة، وعمق السرد، والتداخل الأجناسي. كما نجد الأمر نفسه في "جدارية"، ولكن بنفس تقني عال، وشديد الرهافة والانفلات من كل قراءة تريدُ إدخاله داخل تقفيصة معينة. وذلك لأن القراءة ما هي إلا ظلّ للذات القارئة، وليست ظلا للنص يمكن أن يغمد في نوره، وبخاصة إذا كانت ذاتية، فهي في هذه الحالة تصبح لها خطورة تتمثل في كونها تحجب الوجود الموضوعي للنص المقروء وتلغيه، فيغدو مرآة للذات القارئة التي تحاول إيجاد تطابق بينه وبين الحاجة، بين رغبات الذات ووجود الموضوع. أما المعنى فهو حضور مُسْقَطٌ على النص يـأتي من النفس (7). ومن هنا نرى أن الدخول إلى قصيدة درويش الراعشة بضوء المستحيل، والمثمرة بآليات شعرية مبهجة آسرة، يبتدئ أولا بمقاربة وصفية لأنساق التوازن الصوتي فيها، ثم ثانيا بمعرفة كيفية اشتغالها على مستوى الخيال وإنتاج الدلالة.


المبحث الثاني

أنساق التوازن الصوتي فيه


1- مفهوم التوازن الصوتي:

نقصد بالتوازن الصوتي في شعر محمود درويش تلك الظواهر الإيقاعية المحددة الناتجة عن تفاعل عنصرين صوتيين أو أكثر في فضاء النص الشعري، تنتج عنه بنية من البنيات المكونة للإيقاع الكلي، حيث أن الإيقاع بنية دلالية كلانية تجمع البنيات والدلالات الجزئية لجسد النص، ومن بينها البنية الدلالية للتوازن الصوتي. ونعني بها في هذا السياق مجموعة من العناصر المتماسكة فيما بينها، بحيث يتوقف كل عنصر على باقي العناصر الأخرى، ويتجدد بعلاقته بمجموعة من العناصر)1( فبنية التوازن الصوتي ونسقها تضع نصب عينيها خصائص اللغة الشعرية بوصفها لغة انزياحية، يلعب فيها التفاعل بين الصوت والدلالة والخيال لعبة الظلال والألوان والأبعاد والأضواء في اللوحة التشكيلية. وليس هذا سوى معنى من معاني الإيقاع التي تتعلق بالقصيدة خاصة، وإلا فإن الإيقاع له معانٍ يتعذر حصرها هنا، غير أننا نشير إلى أنواعه في هذه الخطاطة لرفع اللبس عن كنهه.

الإيقاع: صوتي، وغير صوتي
I.      الصوتي: تُدركه الأذن فقط، وينقسم إلى قسمين: لغوي وغير لغوي.
أ ـ اللغوي :
وهو الإيقاع اللفظي، المعبر عنه في الاصطلاح باللحن والغناء، ويقوم على مكونين هما، الصوت والزمن، والمقصود به وحدة النغمة التي تتكرر على نحو ما في الكلام، وهو غير الوزن، وتمثله في الشعر التفعيلة بحركاتها وسكناتها التي تقابل نظيراتها في الكلمة.

ب ـ غير لغوي :
ولا دخل للفظ في وجوده، وينشطر إلى شطرين هما :
* إيقاع الطبيعة      مثل زقزقة الطيور وخرير الأنهار...إلخ.
* إيقاع الآلات :  وهو ما يصدر عنها من أصوات                 


                                    II.  غير صوتي : غير صوتي تدركه العين ولا تدركه الأذن مثل: )الرقص، الرسم، الضوء المشكل الألوان... إلخ(

والإيقاع عامة يتمثل في ستة مستويات، هي:
1- الوزن العروضي
2- الأداء الإنشادي
3- توازن الصوائت )= الترصيع(
4- توازن الصوامت )= التجنيس(
5- التكرار التضفيري.
6- الترديد والاشتقاق أو التناغم الصوتي
وسنتعرض إلى هذه المستويات الإيقاعية ضمن الفقرة التالية المتعلقة بأنساق التوازن الصوتي وتمظهراتها.
1- أنساقه وتمظهراتها :
يمثل التوازن الصوتي في المنجز الشعري لدرويش قمةَ ما وصل إليه الإيقاع من شموخ وبهاء وروعة يتضافر فيها الخيال مع اللغة لتكوين بُهر فاتن، وسحر آسر يسموان بالمتلقي إلى ما وراء تخوم المادة والروح، والواقع والحلم. وسنقتصر في استكناه بعد التوازن الصوتي عنده وتوصيفه، على ديوانيه "كزهر اللوز أو أبعد" و"أثر الفـراشة"، غـير ناسين دواوينه الأخرى، كلما اقتضت الضرورة ذلك.
فأول ما يبادِهُ قارئ "كزهر اللوز أو أبعد" هو تكوُّنه من خمس بنيات دالة؛  هي أنتَ، هو، أنا، منفى. وهذه الأخيرة تتفرع إلى أربع بنيات، تُحيل كل واحدة منها على البنيات الأربع السابقة، هكذا:

أنت ــــــــ أنا ــ منفى
هوــــــــ هي ــ منفى
وثاني ما يبادهه فيه كذلك تسمية نصوصه بجزء من مطالعها، مثل قصائد (فكر بغيرك، الآن في المنفى، حين تطيل التأمل، إن مشيت على شارع، نسيت غيمة في السرير...الخ)، وقد فعل مثل هذا في دواوين سابقة، مثل: "لا تعتذر عما فعلت" و "لماذا تركت الحصان وحيدا" و "سرير الغريبة". وهذا الصنيع فيه إحالة على الكلام الأول، ونعني به الشعر الجاهلي الذي كانت قصائده توسمُ ببدايات مطالعها (قفا نبك، لخولة أطلال، ألا لا يجهلن أحد علينا، هل غادر الشعراء من متردم)، وتُعرف بها كعتبات رمزية دالة. فماذا يعني درويش- وهو الشاعر الحداثي بامتياز- بهذه الحالة الرمزية؟ هل يروم من ورائها القول بأن الحساسية الفنية الصافية ليست حكرا على زمن معين؟ أم يروم ربط الوجدان المعاصر بجذوره الأولى الـتي بترتها الدُّرج (= الموضات) المخبولة، وشوهت إيقاع أحاسيسها، وبنية مخيالها؟ سؤال نتركه مفتوحا لِلْأَهْوِية النقدية الراهنة.
وثالث ما يبادهه فيه أيضا هو اعتماد القافية الموحدة في جميع النصوص المكتوبة على النمط الخليلي، كما في قصيدة:) فكر بغيرك( أو قصائد (كم البعيد بعيد، على قلبي مشيت، في صحبة الأشياء، ربيع سريع، عال هو الجبل) في ديوان "أثر الفراشة". أما النصوص المكتوبة على النهج التفعيلي فإنه قد قفَّى مقاطع كل نص منها بقافية واحدة، كما في قصائد (الآن...في المنفى، في البيت أجلس، وأنت معي) من "كزهر اللوز أو أبعد"، وقصائد (في صحبة الأشياء، صيف وشتاء، أثر الفراشة، وجوه الحقيقة) من "أثر الفراشة"، بل إنه أوغل في التفنن حيث جعل القافية إما مزودجة ومكررة في جميع المقاطع كما هو في قصيدة (حين تطيل التأمل)، وإما مكررة فقط كما في قصيدة (إن مشيت على شارع).
وبعد هذه الملاحظات العامة نقول إن أنساق التوازن الصوتي عند محمود درويش تتخذ عدة تمظهرات، يتخذ كل نسق فيها بعدا صوتيا إيقاعيا، يفعّل الإنشاد، ويؤطر الصورة الشعرية في مخيال المتلقي. ومن بين أنساق التوازن الصوتي التي رصدناها في شعـره: النسق الثنائي، النسق الثلاثي، النسق الرباعي، النسق الخماسي، نسق التناغم الصوتي والاشتقاق، نسق التقفية أو موقع التراكم الصوتي، نسق التكرار التضفيري، نسق السوناتَا، وسنتناولها تباعا.
2-1- النسق الثنائي:
 وهو عبارة عن صوتين داخل بنية نحوية زمنية خاصة، يحصران الجسد النصي بينهما، ويكيفان دلالاته وسياقه التخييلي وفق ما يتطلبه التحول. ومثاله قصيدة )حين تطيل التأمل(:
حِينَ تُطِيلُ اُلتَّأَمُّلَ فِي وَرْدَةٍ
جَرَحَتْ حَائِطًا، وَتَقُولُ لِنَفْسِكَ :
لِي أَمَلٌ فِي اُلشِّفَاءِ مِنَ اُلرَّمْلِ /
    يَخْضَرُّ قَلْبُكَ...

حِينَ تُرَافِقُ أُنْثَى إِلَى اُلسِّيرْكِ
ذَاتَ نَهَارٍ جَمِيلٍ كَأَيْقُونَةٍ ...
وَتَحُلُّ كَضَيْفٍ عَلَى رَقْصَةِ اُلْخَيْلِ/
   يَحْمَرُّ  قَلْبُكَ ...

حِينَ تَعُدُّ اُلنُّجُومَ وَتُخْطِيءُ بَعدَ
الثَّلاَثَةَ عَشْرَ، وَتَنْعَسُ كَاُلطِّفْل
فِي زُرْقَةِ اُللَّيْلِ
    يَبْيَضُّ  قَلْبُكَ....

حِينَ تَسِيرُ وَلَا تَجِدُ اُلْحُلْمَ
يَمْشِي أَمَامَكَ كَالظِّلِّّ/
    يَصْفَرُّ  قَلْبُكَ )2(
فبنية التوازن الصوتي هنا هي بنية ثنائية تغطي النص كله،  وفي مقاطعه الأربعة، هكذا:
                الأول

1- حين تطيل التأمل
  
 
2-  يخضر قلبك
الثاني


 
1 - حين ترافق أنثى

 
2-  يحمرّ قلبك

الثالث
1- حين تعد النجوم
2- يبيض قلبك

 


الرابع
1 ـ حين تسير ولا تجد الحلم
2- يصفرّ قلبك
    
ويعضد التوازن الصوتي في هذا النسق الثنائي توازن صوتي آخر يتجسد في التقفية المزدوجة لأواخر المقاطع، وفي الجمل الدالة على تحول الذات بين الألوان * هكذا على التوالي:
في الشفاء من الرمل / يخضر قلبك
على رقصة الخيل / يحمر قلبك
في زرقة الليل / يبيض قلبك
أمامك كالظل / يصفر قلبك
إضافة إلى توازن صوتي زمني آخر يؤطر التوازن السالف، ويتمثل في كلمة )حين( المتصدرة مقاطع النص، فهي تمنحه بعدا تحوليا منفتحا على دلالات ترمز إليها الألوان:
 اللون                      دلالته

الخضرة                   الأمل
الحمرة                    العشق
البياض                    البراءة
الزرقة                    اللانهائي
الصفرة                   الخيبة

لقد ساهمت البنية النحوية هنا )حين تطيل، حين ترافق، حين
    اللون                       دلالته

الخضرة                     الأمل
الحمرة                    العشق
البياض                    البراءة
الزرقة                     اللانهائي
الصفرة                   الخيبة



تعد، حين تسير( مـع بنـية القـافية )الرمل/ يخضر قلبك، الخيل/ يحمر قلبك، الليل/ يبيض قلبك، الظل/ يصفر قلبك( في إنتاج هذا التوازن الصوتي الثنائي المتناسج والمتجادل مع بنية الدلالة الكلانية وتوازنها.
فالبنية النحوية تقوم بدور أساس في تكوين النسق الصوتي المتوازن، وخاصة إذا كانت شرطية، فهي تولد توازنا صوتيا ثنائيا، كما في قصيدة "إن مشيت على شارع" التي يفتتحها بقوله:
إن مشيت على شارع لا يؤدي إلى هاويهْ
قل لمن يجمعون القمامة: شُكْرًا
ويختمها بقوله:
إن تذكرت حرفا من اسمك واسم بلادك
كن ولدا طيبا
ليقول لك الرَّبُّ: شُكْرًا )3(.
فهي تتألف من سبعة مقاطع مقفاة أواخرها بكلمة واحدة هي )شُكْرًا(، وهذا صنيع حداثي خرج به درويش عن علم القوافي، ولكنه صنيع مهندس صوتيا ودلاليا، فقد جعل حرف الراء الذي هو روي المقاطع مبثوثا في النص كله بمعدل خمس عشرة مرة، أي بنسبة 7 إلى 15 مما يعني ضعف صوت الروي، زيادة على التجاذب الصوتي والنحوي والدلالي القائم بين الشرط والجواب في نسق ثنائي عبر مقاطع النص السبعة:
 الأول
 
 

1-  إن مشيت على شارع
2-  قل لمن يحملون القمامة: شكرا
 الثاني
 
 

1-  إن رجعت إلى البيت
2-  قل لنفسك: شكرا

الثالث 





 
1-  إن توقعت شيئا
2 - قل للفراشة : شكرا

الرابع

1-  إن صرخت بكل قواك
2-  قل للهوية: شكرا
    الخامس
 


1- إن نظرت إلى وردة
2- قل لقلبك : شكرا

 السادس
         
 
1-  إن نهضت صباحا
2- قل للبصيرة: شكرا

السابع

 
1-  إن تذكرت حرفا من اسمك
2- كن ولدا طيبا ليقول لك الربّ: شكرا

إن بنية الشرط في هذا النص، والتوازن الصوتي فيه، ووحدة القافية في نهاية المقاطع، وتنوعها في أشطارها، قد فجر شعرية النص الإيقاعية والدلالية، وكسر أفق انتظار المتلقي، وذلك بالإيغال في تفاصيل الكينونة ذات البساطة العميقة التي لا نراها في الغالب. ومن هنا ندرك أن القافية الموحدة والمتعددة داخل النص هي بمثابة أصابع تعزف على أوتار النفس زمنا يربطها بزمن الشاعر الإبداعي، وليست مجرد صوت تكميلي، وإنما هي بؤرة تتولد منها حضارة المعنى سواء أكانت موحدة أم متنوعة. ودرويش في هذا النص رمى إلى هذه الغاية حين وحد قافية مقاطعه، ونوّع قوافي بداياتها:





المقطع
الشطر
القافية
متنوعة
1
2
3
4
5
6
1
1
1
1
1
1
هاويه
القافية
غـدَا
الصدى
توجعكْ
معـكْ
1

2

3

ويلاحظ هنا أن الشطر الأول من المقطع السابع قد حرره الشاعر من القافية للدلالة على تحرير الذاكرة من النسيان. وتكاد تقفية مقاطع القصيدة بقافية واحدة تكون سمة فنية بارزة عند درويش والأمثلة التالية توضح ذلك، يقول في قصيدة "أثر الفراشة"، وهي على تفعيلة الكامل:

أَثَرُ اُلْفَرَاشَةِ لَا يُرَى
أَثَرُ اُلْفَرَاشَةِ لاَ يَزُول

هُوَ جَاذِبِيَّةُ غَامِضٍ
يَسْتَدْرِجُ اُلْمَعْنَى، وَيَرْحَلُ
حِينَ يَتَّضِحُ اُلسَّبِيلُ

هُوَ خِفَّةُ اُلْأَبَدِيِّ فِي اُلْيَوْمِيِّ
أَشْوَاقٌ إِلَى أَعْلَى
وَإِشْرَاقٌ جَمِيلُ

هُوَ شَامَةٌ فِي اُلضَّوْءِ تُومِئُ
حِينَ يُرْشِدُنَا إِلَى اُلْكَلِمَاتِ
بَاطِنُنَا اُلدَّلِيلُ

هُوَ مِثْلُ أُغْنِيَةٍ تُحَاوِلُ
أَنْ تَقُولَ، وَتَكْتَفِي
بِاُلاِقْتِبَاسِ مِنَ اُلظِّلاَلِ
وَلاَ تَقُولُ ...
أَثَرُ اُلْفَرَاشَةِ لاَ يُرَى
أَثَرُ اُلْفَرَاشَةِ لاَ يَزُولُ (4)
وإلى جانب هذا الثراء الإيقاعي الذي تحدثه القافية المتحركة بالضمّ، والممدودة على شكل قوس نحو الغامض والمجهول، هناك إيقاع آخر منبثق من التوازن الصوتي الثنائي في النص:

 
            هو جاذبية
1
 
            هو خفية
            هو شامة



 
2
 
             لا يُرى
             لا تقولُ
             لا يزولُ
ولا يقف الثراء الإيقاعي على هذين المكونين بل يمتد ليشمل مكونا آخر يتمثل في اللام المتفشي بكثرة داخل النسيج النصي كصدى للقافية.
ويقول في قصيدة "وجوه الحقيقة" المبنية على تفعيلة المتدارك:
اُلْحَقِيقَةُ أُنْثَى مَجَازِيَّةٌ
حِينَ يَخْتَلِطُ اُلْمَاءُ وَاُلنَّارُ
فِي شَكْلِهَا

وَاُلْحَقِيقَةُ نِسْبِيَّةٌ
حِينَ يَخْتَلِطُ اُلدَّمُ بِاُلدَّمِ
فِي لَيْلِهَا

وَاُلْحَقِيقَةُ بَيْضَاءُ نَاصِعَةٌ
حِينَ تَمْشِي اُلضَّحِيَّةُ
مَبْتُورَةَ اُلْقَدَمَيْنِ
عَلَى مَهْلِهَا

وَاُلْحَقِيقَةُ شَخْصِيَّةٌ
فِي اُلْقَصِيدَةِ
لاَ هِيَ مَا هِيَ
أَوْ عَكْسِهَا
إِنَّهَا مَا تَقَطَّرَ مِنْ  ظِـلـِّهَا (5)
فوحدة القافية هنا تتماهى مع التوازن الصوتي الثنائي:
   الحقيقة أنثى

 
  الحقيقة نسبية
  الحقيقة بيضاء
  الحقيقة شخصية

    في شكلها

 
    في ليلها
    على مهلها
    من ظلها

لتعلن أن الحقيقة متعددة، وأن أوجهها التي نخال أننا نراها في مرايانا ما هي إلا عكسها. فهي قطرة من الظل في القصيدة وفي كل شيء وإذا أمكن تعليب الظل فإن الحقيقة كذلك يمكن أن تُعلَّبَ، وهل في المُكْنَة تعليب المجاز حتى ولو اعتقدنا أنه يتلألأ في اللغة؟ هكذا الحقيقة هي مزيج زئبقي يتأبَّى على الحصر والمحاصرة، والحصار، وعلى الاستقرار في بعد واحد، لأنها كما الرَّكْمَجَةُ؛ لها حركية إيقاعية متباينة تتمشى وأمواجها، ولا تخضع للأمزجة والأهواء. إنها شجرةٌ سحرية بملايين الأغصان والثمار، لا تُنْمى إلى أرض، أو جنسية، أو دين، أو لون. وقد أعطى الشاعر بعض صورها العميقة في هذا النص، كما يوضح ذلك المشجر التالي:
الحقيقة: ـ أنثى، شكلها اتحاد الماء والنار
         ـ نسبية، ليلها اختلاط الدم بالدم
        ـ بيضاء، مهلها مشي الضحية بقدمين مبتورتين
         ـ شخصية،ن ظلها لا هي ما هي    
فهي في تجلياتها شبيه أثرها بأثر الفراشة لا يُرى ولا يزول، مرتبطة بالإنسان لا تُرحَّل عُلويا إلا من قبل مَنْ يستغلونها بالتزييف، تسري موسيقاها الكونية في شعور الأرض بدم الاختلاف والتوهج. ولذلك نرى أن القصيدة "أثر الفراشة" ما هي إلا باطنٌ قصيدة "وجوه الحقيقة"، فهما تتعالقان رمزيا، وتتنافذان شعريا، وتتناسجان جماليا في بؤرة الأثر:
الفراشة: الشفوف وتعدد الألوان
الحقيقة: النصاعة وتعدد الأوجه
الأثر: خفاء لا يزول
الحقيقة = الفراشة في الأثر والعكس صحيح

2-  النسق الثلاثي:
وهو بنية صوتية ثلاثية متوازنة، تمثلها القصيدتان "ما أنـا إلا هو" و"إجازة قصيرة"، حيث يقول في الأولى – وهي على تفعيلة المتقارب-:
بعيدا وراء خُطاهُ
ذئاب تعض شعاع القمرْ
بعيدا أمام خطاهُ
نجوم تضيء أعالي الشجرْ )6(
فنسق التوازن الصوتي الثلاثي هنا واضح بجلاء، وذلك على الشكل التالي:
1-  بعيدا وراء خطاه
2-  ذئاب
3-  تعض شعاع القمر
1-  بعيدا أمام خطاهُ
2-  نجوم
3-  تضيء أعالي الشجر
ويقول في الثانية - وهي على تفعيلة الكامل-
صدقت أني مت يوم السبت
قلت : علي أن أوصي بشيء ما
فلم أعثر على شيء )7(
فنرى التوازن الصوتي الثلاثي فيها يشكل البؤرة التي تنجذب كل الإيقاعات إليها:
1- صدقت أني مت
2- قلت: علي أن أوصي بشيء
3- فلم أعثر على شيء

1-  صدقت أني مت
2-  قلت: علي أن أدعو صديقا
3-  لم أجد أحدا
ولم يقتصر الأمر في النص على هذا، بل تعداه إلى تقنية فنية أخرى يمثلها التكرار التضفيري الذي يجدل صور النص وفق مونتاج )= تركيب( خاص بعد التصديق بواقعة الموت، وهذه الصور هي:
* الوصية بشيء ما
* دعوة صديق ما
* المضيُّ إلى القبر
* كتابة السطر الأخير على الظلال
* الإتيان بفعل ما
إن الشاعر بعد كل صورة من هاتيك الصور يخيب أفق انتظارنا بعبارة نفَّاذة صادمة تتماشى مع الصورة التي يرسمها وتقابلها:
* فلم أعثر على شيء
* لكن لم أجد أحدا
* فلم أجد الطريق
* سال منها الماء فوق الحرف
* لكن لم أجد عملا
وهكذا صار الموت لا معنى له، لأنه مجرد عبث وفوضى في الحواس، تدفعانك إلى الشعور بأنك "ميت متقاعد، يقضي إجازة قصيرة في الحياة" حسب تعبير الشاعر.
2-3- النسق الرباعي:
وهو بنية ربـاعية متماثـلة الأجزاء مخالفة في طبيعتها، ومكوناتها، وأمدائها الصوتية لكل الأنساق التي استعملها درويش لإنتاج شعرية متناغمة مع الحداثة والذات والعالم، فهو قد استعمل هذا النسق الرباعي للغاية ذاتها، وأبرز مثال له قصيدة "فكر بغيرك" التي يقول فيها:
وَأَنْـتَ تُـعِـدُّ فَـطُـورَكَ، فَـكِّرْ بِـغَيْـرِكَ
                 (لَا تَـنْـسَ قُــوتَ اُلْـحَمَـامْ)
وَأَنْـتَ تَخُـوضُ حُـرُوبَكَ، فَـكِّرْ بِـغَـيْـرِكَ
                 (لاَ تَنْـسَ مَنْ يَطْلُبُـونَ اُلسَّلاَمْ)
وَأَنْتَ تُحَرِّرُ نَفْسَكَ بـالاستعارات، فَكِّرْ بِغَيْرِكَ
                 (مَنْ فَقَدُواْ حَقَّهُمْ فـِي اُلْكَلَامْ)(9)

وهي مبنية على تفعيلة المتقارب، ومقفاة بقافية واحدة، يمثل السكون في رويها إشارة إلى الوقوف للتفكير في الغير، ومن هو هذا الغير؟ إنه ذاك الذي يبينه الصوت الداخلي المتضمن بين معقوفتين، والصارخ: لا تنس. فهل تلاءم التوازن الصوتي الرباعي مع ذلك؟
إن التوازن الصوتي جاء هكذا:

1- وَأَنْتَ تُعِدُّ فَطُورَكَ
2- فَكِّرْ بِغَيْرِكَ
3-  لَا تَنْسَ
4-  قُوتَ اُلْحَمَامْ
1- وَأَنْتَ تَخُوضُ حُرُوبَكَ
2- فَكِّرْ بِغَيْرِكَ
3- لاَ تَنْسَ
4 - مَنْ يَطْلُبُونَ اُلسَّلاَمْ
وبذلك تنـاغم مع صوت النص الداخلي وصوته الخارجي، وأعطى إمكانيات عدة لقراءته من بينها:

أولا:
وأنت تعد فطورك
لا تنس قوت الحمام
وأنت تخوض حروبك
لا تنس من يطلبون السلام
ثانيا:
فكر بغيرك
لا تنس قوت الحمام
وأنت تعد فطورك
فكر بغيرك
لا تنس من يطلبون السلام
وأنت تخوض حروبك
فكر بغيرك
من فقدوا حقهم في الكلام
وأنت تحرر نفسك
فالتقفية والتوازن الصوتي الرباعي هنا يعطيان دلالة على التصاق التفكير بالذات جراء تواتر الصوت الداخلي عليها تواتر القافية في النص.
2-4- النسق الخماسي:
 وهو عبارة عن خمسة أصوات، يمثل كل واحد منها بنية صوتية خاصة متماهية مع بنية مجانسة داخل النص، ومن أمثلته قصيدة " الجميلات هن الجميلات" التي يقول فيها:

الجميلات هن الجميلات     نقش الكمنجات في الخاصرةْ
الجميلات هن الضعيفات     عـرش طفيف بـلا ذاكرةْ
الجميلات هن القويـات     يـأس يضـيء ولا يحـترقْ
الجميلات هن الأميرات      ربـات وحــي قـلـقْ
الجميلات هن الطويلات      خالات نـخـل السمـاءْ
الجميلات هن القصيرات      يشـربن في كـأس ماءْ )8(

وأول ما يستوقفنا في هذا النص هو الملاحظات الآتية:
1-  تفضيته بطريقة توهم أنه على النهج الخليلي، ويزيد في هذا الوهم تقفية صدوره بقافية واحدة، وأعجازه بقواف متعددة ومتوالية هكذا، "أأ، ب ب، ج ج، دد، هـ هـ، وو" ثم تقفية العجز الأخير من النص بقافية صدروه. وهذا الوهم الذي يوحي به الشكل ليس صحيحا، فالنص تفعيلي على المتدارك، وتستغرق أشطاره الإثنا عشر خمسة وعشرين تفعيلة موزعة بنسب تتفاوت ما بين 6،10،8،7 على كل شطر.
2- إمكانياته الإيقاعية العالية الثراء، حيث يمكن أن تقرأ الأنصاف الأولى منه واقفا على التاء المبسوطة بالسكون، فتكون في هذه الحالة داخل إيقاع المتدارك. ثم تستأنف قراءة الأنصاف الثانية فتكون داخل إيقاع منهوك البسيط الذي لم يعرفه العروض، وإنما عرف مخلع البسيط. كما يمكن قراءة أشطاره كلها بالتدوير، وذلك بضم تاء الأنصاف الأولى فيه فتكون في إيقاع المتدارك الذي نسج عليه النص برمته.
3- مرونة قراءته، فأنت تستطيع أن تبدأ القراءة من الكلمات الأولى في أنصافه الأولى، ثم تنتقل مباشرة إلى الكلمة الأولى في أنصافه الثانية على هذا المنوال:
الجميـلاتُ نقشُ الكمنجـات في الخاصرة
الجميـلاتُ عـرشُ طـفيف بـلا ذاكرة
كما تستطيع قراءته من الكلمة الثانية في أنصافه الأولى مع الكلمة الأولى في أنصافه الثانية على هذا النحو:
هن الجميلات نقش الكمنجات على الخاصرة
هن الجميـلات عـرش طفيف بـلا ذاكرة
وقد لعب درويش في إنشاده على إمكانيات القراءة هاته، واستغلها بذكاء، ولولا نسق التوازن الصوتي الذي انخرط فيه النص لما كان لكل هذا أن يحدث، فالتوازن الصوتي الخماسي هو الذي أطلق إمكانياته الإيقاعية، وطاقات الشاعر الإنشادية وهذا توضيح لنسق التوازن الصوتي الخماسي في النص المشار إليه:
1- الجميلات
2- هن
3- الجميلات
4- نقش
5- في الخاصرة
1-  الجميلات
2-  هن
3-  الضعيفات
4-  عرش
5-  بلا ذاكرة
1-  الجميلات
2-  هن
3-  الضعيفات
4-  يأس
5-  ولا يحترق
2-5- نسق التناغم الصوتي والاشتقاق:
وبهذا يكون النص الشعري لدى درويش متجاوزاً تلك اللعبة السيميترية التي تتم في فضاء التفعيلات الوزنية. فهو اكتشاف وابتداع لعناصر توازنية مجهولة في هذا الفضاء، وفي مقدمتها عنصرا "الاشتقاقات" و"الترديدات" اللذان يتجاوزان مراكمة الأصوات، وتقوية التناغم، إلى دائرة المنحى التكاملي بين الصوت والدلالة من خلال مكونين أساسيين، هما:
أ- ترصيع المضارعة: الذي هو قيام التركيب على توازن غير تام: مثل تخوض، تعود، تسدد، تحرر، فطورك، حروبك، الحمام، السلام، الغمام، الكلام.
ب- التجنيس السجعي: الذي هو تكرار حرف ما عدة مرات في شطر من الأشطار، أو بيت من الأبيات، ليكون بذلك وحدة متجاورة مع حرف آخر مكرر. ومثاله قصيدة "الآن .. في المنفى" التي يقول فيها على تفعيلة الكامل:
سِيرِي بِبُطْءٍ، يَا حَيَاةُ، لِكَيْ أَرَاكِ
بِكَامِلِ اُلنُّقْصَانِ حَوْلِي. كَمْ نَسِيتُك ِفِي
خِضَمِّكِ بَاحِثًا عَنِّي وَعنْكِ. وَكُلَّمَا أَدْرَكْتُ
سِرًّا مِنْكِ قُلْتِ بِقَسْوَةٍ: مَا أَجْهَلَك!(10)
فقد بث حرف الكاف في تضاعيف النص كله كما موجات إيقاعية تجذب المعاني الجزئية إلى النص الكلاني الذي تعتبر القافية الموحدة لمقاطع النص السبعة تبئيرا له، بحيث نرى الكاف مكررا سبع عشرة مرة في نسيج النص، وذلك للدلالة على قسوة الحياة ونقصانها المتخفي تحت قناع الغياب. وإذا كان الغياب قد نقص الشاعر، فإن الشاعر يبقى حاضرا ليكمل الغياب.
قُلْ لِلْغِيَابِ: نَقَصْتَنِي
وَأَنَا حَضَرْتُ...لِأُكْمِلَكْ.
والتجنيس السجعي هنا آت من نزوع الشاعر إلى تجريب شعرية اللغة، وتوظيف إنزياحاتها عن معانيها للحصول على نص يشرق بغنائية خصبة، وبظلال كثيفة تضِلُّ فيها اللغة دلالاتها، مما يفسح للغموض الآسر فسحة يشع فيها.

2-6-  نسق موقع التراكم الصوتي:
إن تشبع درويش بإيقاعات المنجز الشعري العربي والكوني، وإصغاءه لأصوات العالم السرية، دفعاه إلى إيلاء عناية خاصة للقوافي باعتبارها حافر الإيقاع كما يقول القدماء، أو بؤرة مغناطيسية تنجذب إليها كل أصوات القصيدة. ومن ثمة عدها النقد القديم دالة على القصيدة، وذلك اتساعا ومجازا. فهي- عند ابن رشيق (ت 456هـ( - جزء دال على الكل، له أهميته وفاعليته في تحديد المدلول عليه، سواء أجاءت تصريعا أم في أواخر الأبيات وأواخر المقاطع، فإن لها مدى صوتيا متسعا تنداح فيه كما الدوائر المائية، وهذا المدى هو جسد القصيدة؛ الذي تتناسل فيه الدلالات على مستوى الكلمة والجملة في علاقة رمزية تحايثية وتشابكية، يقوم فيها الصوت دالا على الصورة.
وسندلل على عناية درويش الفائقة بموقع التراكم الصوتي، ببعض الأمثلة الإحصائية من منجزه الشعري التي تُعَضِّدُ ذلك، وتؤشر عليه تبعا للجدول التالي الذي سنبين فيه عنوان القصيدة ومصدرها، وشكلها الوزني وعدد مقاطعها، ورويها، وسمة القافية فيها:

الديوان
       القصيدة
شكلها
مقاطعها
القافية
الروي




كزهر اللوز
 أو أبعد
فكر بغيرك
الآن ... في المنفى
حين تطيل التأمل
إن مشيت على شارع
في البيت أجلس
الجميلات هن الجميلات
وأنت معي
تفعيلي
"
"
"
"
"
"


1
7
4
7
9
7
5

موحدة
"
"
"
"
متنوعة
موحدة
الميم
الكاف
الكاف
الراء
الدال
ر،ق،ك،ح
النون






أثر الفراشة
في صحبة الأشياء
على قلبي مشيت
أثر الفراشة
وجوه الحقيقة
عال هو الجبل
لا أنتبه
صفصافة
مناصفة
كم البعيد بعيد
ما أنا إلا هو
صيف وشتاء
ربيع سريع
خليلي
خليلي
تفعيلي
"
خليلي
تفعيلي
"
خليلي
خليلي
تفعيلي
"
خليلي
5
1
6
4
4
3
3
1
3
5
4
6
موحدة
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
الهاء
الهمزة
اللام
الهاء
اللام
الباء
التاء
الهاء
اللام
الراء
العين
القاف
إن التقفية ليست شكلا اصطناعيا يستحضر اللغة قسراً، وإنما هي غليان روحي تؤججه يد الخيال، فيأتي موحدا في النص كله، أو في المقاطع المكونة له، أو يأتي متنوعا كما في نص "الجميلات هن الجميلات"، فقد ورد هكذا:(أأ، ب ب، ج ج، دد، هـ هـ، وو). فهذه الورودات لموقع التراكم الصوتي تعتبر بمثابة الأعصاب في جسد النص، وفي أذن المتلقي، فهي التي تنقل إليه الإحساس بصور النص، وتساعده على رؤيتها بصريا.**
وقد يظن الذين ادَّارَكَ علمهم في الشعر أن الشاعر درويشا لم يتخلص من رواسب التقاليد الفنية القديمة في الشعر رغم انغماره في الحداثة بكل جوارحه وهواجسه، وإلا فما معنى كتابته على النهج الخليلي وتشبثه النادر بالقافية؟! إنه سؤال ضرير ينم عن فهم قاصر للشعر، وعن إدراك مشوه لماهية القطيعة الإبستيمولوجية. فالشعر إحساس ممتد في كل الأزمنة، ولغة جوهر الوجود، لا يكتمل معنى الكون إلا به، فهو الذي يحدد أونطولوجيته السرية، ويفتح مجهوله الجمالي. ومن ثمة فإنه غير مطالب بالقطع مع البدايات، لأن في ذلك بترًا لجزء من ذاتنا الوجودية المكتظة بالإيقاعات حميم، يربط دورة الزمن فينا كل يوم بسر جديد، فنتجدد، ونمضي صوب مجهول شعري ينادينا بإلحاح، وبصوت شفيف لم نسمعه من قبل.
إنه صوت الحداثة المفارق داخل إيقاعات الفضاء المألوف، يفيض قلبه بنبض تجديدي ساحر لا أزهى منه ولا أصفى.. صوت تجسده أصدق تجسيد قصائد درويش التي كتبها على النمط الإيقاعي الخليلي. وهذه نماذج منها:
الأول: قصيدة "كم البعيد بعيد" (البسيط)

كَمِ  البعيد بعيد، كم هي السبل
نمشي وتمشي إلى المغنى ولا نصلُ
هو السراب دليل الحائرين إلى
الماء البعيد هو البطلان..والبطلُ
نمشي وتنضج في الصحراء حكمتنا
ولا نقول: لأن الـتيه يكتملُ
لكن حكمتنا تحتـاج أغنيـة
خفيفة الوزن، كي لايتعب الأملُ(11)


الثاني: قصيدة "على قلبي مشيتُ "(الوافر):

على قلـبي مشيت كأن قلبي
فقال القلب: أتعبني التماهي
وأتعبـني سؤالك: أين نمضي
وأنت تطيعني.. مرني بشيء
فقلت له: نسيتك مذ مشينا
تمردْ ما استطعت عََليَّ واركض

طـريق، أو رصيف، أو هواءُ
مع الأشياء، وانكسر الفضاءُ
ولا أرض هناك... ولا سماءُ؟
وصوبـني لأفعل ما تـشاءُ
وأنت تعِلَّـتيِ، وأنـا النداءُ
فليس وراءنا إلا الوراءُ (12)

الثالث: قصيدة "في صحبة الأشياء" (البسيط)

كنا ضيوفا على الأشياء، أكثرُها
النهر يضحك، إذ تبكي مسافرةٌ:
لاشيء ينتظر، الأشياء غافـلة
لكننا إذ نسميها عـواطفـنا
نحن الضيوف على الأشياء، أكثرنا

أقلُّ منا حنينا حـين نهجرُها
مُرِّي، فأولى صفات النهر آخرُها
عنا، ونحن نحييها ونشكُُـرُهَا
نصدق الإسم، هل في الإسم جوهَرُهَا؟
ينسى عواطفه الأولى..ويُنْكِرُهَا(13)
الرابع: قصيدة"ربيع سريع" (البسيط)

مر الربيع سريعا مثل خاطرة
في البدء أعجبه إيقاعه فمشى
وقال: قافية أخرى تساعدني
مر الربيع بنا لم ينتظر أحدا
غنى، ولم يجد المعْنَى وأطربه
وقال: قد يولد المعنى مصادفَة

طارت من البال-قال الشاعر القلقُ
سطراً فسطرا لعل الشكل ينبثقُ
على الغناء فيصفو القلب والأفُقُ
لم تنتظرنا"عصا الراعي" ولا الحَبَقُ
إيقاعُ أغنية ضاقت بها الطرقُ
وقد يكون ربيعي..ذلك القلقُ (14)

الخامس: قصيدة "عال هو الجبل" (البسيط + منهوكه)
يمشي على الغيم في أحلامه ويرى       ما لا يرى، ويظن الغيم يابسةً..
عـال هو الجبـلُ
أعلى وأبعـد، لاشيء يذكره                                  باللامكان، فيمشي في هواجسه يمشي.. ولا يصلُ
كأنه هو، أو إحدى صفات"أنا"                                وقد تقاسمها الضدان بينهما اليـأس والأمـلُ
كان الضباب كثيفا في قصيدته                              وكان يصعد من حلمي، فقلت له: عال هو الجبـلُ(15)
فميل درويش إلى التجديد في العروض واضح هنا، وهو تجديد بالمخالفة، حيث يستخدم مشطورات البحور التي لم يشطرها الخليل، كتشطير البسيط، والإتيان بمنهوكه الذي لم يأت به الخليل، وتشطـير الخفيف، واستخدام البحر المتدارك مُعَشَّرًا (=عشر تفعيلات في البيت).
السادس: قصيدة "مناصفة" (البسيط) :

تحيـا مناصفة، لا أنت أنت ولا
كأنـني شبح يمشي إلى شبح
خرجت من صورتي الأولى لأدركه

سواك، أين "أنا" في عتمة الشبه؟
فلا أكون سوى شخص مررت به
فصاح حين اختفى: يا ذاتيَ انتبهي!(16)

وكل هذه النماذج الخليلية فضَّاها الشاعر على البياض بشكل يوهم أنها منسوجة على الشكل الحداثي الذي تبدو به القصيدة المعاصرة، غير أن تفضيتها لا تخفى عن المتمرس بالعروض شكلَها الأصلي، ولا على الناقد البصير بالشعر مخالفتها للمعهود من شعر الشطرين، فهي نَفَسٌ حداثي بكر في الشعر العربي المعاصر.

2-7- نسق التكرار التضفيري:
ولم تقف جمالية شعر درويش عند هذا المستوى التراكمي المتمثل في التكرار الموضعي للصوت، رغم وظيفته المجسدة في ربط الذاكرة والوجدان بصور القصيدة، بل امتدت إلى نوع آخر من التوازن الصوتي قائم على التكرار التضفيري الجامع بين أمرين:
|     تكرار موضعي يهدف إلى إطراب الأذن عبر مُراكمة الأصوات بشكل بسيط.
|     تكرار تضفيري تنجدل فيه مكونات النص برمتها، وتتفاعل، لتخاطب الخيال، وتمنحه قدرة على فك رموز العلاقة بين الصوتي والدلالي.
وإذن، فالتكرار عامة، سواء أكان على مستوى الحرف والكلمة أم على مستوى الجملة، نوعان:
1- واحد غايته تأكيد حالة أو موقف، أو سياق من السياقات، أو بنية نظمية داخل النص.
2-  وثانٍ غايته ربط مكونات النص الخيالية والتركيبية والدلالية، وجعلُها كما ضفيرةٌ خاصة يفضي إيقاعها المنسدل إلى الدلالة الكلانية الجامعة.
وقد تفشى هذا النوع الثاني من التكرار في شعر درويش بصورة مكثفة. فما الذي حمله على سلوك هذا النسق الصوتي؟ هل هو الغاية التي أومأنا إليها؟ أم هناك أخرى؟
نعتقد أن درويشًا كان يرمي أولا إلى نقش قصيدته في ذاكرة المتلقي، وغرس صورها في مخياله، كما كان يرمي ثانيا إلى أن يتفاعل معه الجمهور أثناء اللقاء به في الأماسي الشعرية. ولذلك انتهج هذا النهج، فتألق فيه. فهذا النوع من التكرار ساعده على اللعب بجسد النص لحظة الإنشاد، كما تلعب أصابع العازف على أوتـار العود، وتنتقل بينها بخفة ورشاقة لتخلق زمنا موسيقيا خارج الزمن.
هكذا عزف درويش على عود التكرار التضفيري-إذا جاز التعبير- فخلق زمنا شعريا جماليا فائضا على الزمن العادي، وهذه صُوَّى من شعره ترشد إلى هذا التكرار التضفيري، يقول في قصيدة "لم ينتظر أحدا":
لم ينتظر أحدا،
ولم يشعر بنقص في الوجود

- - - - -
- - - - -
- - - - -

ولم يشعر بنقص في المكان
المقعد الخشبي، قهوته، وكأس الماء
والغرباء، والأشياء في المقهى

- - - - -
- - - - -
- - - - -

ولم يشعر بحاجته إلى أمل ليؤنسه
كأن يَخْضَوْضِرَ المجهول في الصحراء

- - - - -
- - - - -
- - - - -

لم ينتظر أحدا.. ولم يشعر بنقص
في مشاعره. فمازال الخريف مضيفه الملكي

- - - - -
- - - - -
- - - - -

لم ينتظر أحدا أمام النهر /
في اللاإنتظار أكون نهرا - قال -
لا أقسو على نفسي، ولا
أقسو على أحد (17)
ويقول في قصيدة "برتقالية"
برتقاليةً، تُدْخِلُ الشمس في البحر /
والبرتقالةُ قنديلُ ماء على شجر باردٍ
برتقاليةً، تلد الشمس طفل الغروب الإلهي
والبرتقالةُ إحدى وصيفاتها، تتأمل مجهولها

برتقاليةً، تسكب الشمس سائلها في فم البحر /
والبرتقالة خائفة من فم جائع (18)

ويقول في قصيدة "هنالك عرس"
هنالك عرس على بعد بيتين منا،
فلا تغلقوا الباب... لا تحجبوا نَزْوةً

- - - - -
- - - - -
- - - - -
هنالك عرس،
فلا تغلقوا الباب في وجه هذا الهواء
المضمخ بالزنجبيل وخوخ العروس التي
تنضج الآن تبكي وتضحك كالماء.(19)

ويقول في قصيدة "ها هي الكلمات":
ها هي الكلمات ترفرف في البال/
في البال أرض سماويةُ الإسم تحملها الكلمات
ها هي الكلمات ترفرف في جسدي نحلة

- - - - -
- - - - -
- - - - -

وبالكلمات وجدت الطريق إلى الإسم
أقصر... لا يَفْرَحِ الشعراء كثيرا، وإن
فرحوا لم يصدقهم أحد
قلت: مازلت حيا لأني أرى الكلمات
ترفرف في البال/
في البال أغنية تتأرجح بين الحضور
وبين الغياب، ولا تفتح الباب إلا
لكي تُوصِدَ الباب... أغنية عن
حياة الضباب، ولكنها لا تطيع سوى
 ما نسيت من الكلماتْ(20)

ويقول في قصيدة "يد تنشر الصحو" :
يد تنشر الصحو أبيض، تسهرُ،
تنهي وتأمر، تنأى وتدنو.
يد تكسر اللازورد بإيماءة
يد تتعالى تثرثر حين يجفُّ الكلام
يد تسكب البرق في قدح الشاي،
تحلب ثدي السحابة، تستدرج الناي "أنت صداي"

- - - - -
- - - - -
- - - - -

يد تتحرش بالموج في جسدي(21)

ويقول في قصيدة "هي لا تحبك أنت"
هي لا تحبك أنت
يعجبها مجازك

- - - - -
- - - - -
- - - - -
يعجبها اندفاع النهر في الإيقاع
كن نهرا لتعجبها!
ويُعْجِبُهَا جِمَاعُ البرق والأصوات
قافية...

- - - - -
- - - - -
- - - - -

فكن ألفا لتعجبها!
ويعجبها ارتفاع الشيء

- - - - -
- - - - -
- - - - -

فكن إحدى عواطفها..لتعجبها
ويعجبها صراع مسائها مع صدرها.(22)

ويقول في قصيدة "إجازة قصيرة"
صَدَّقْتُ أني مت يوم السبت،
قلت: علي أن أوصي بشيء ما
فلم أعثر على شيء...
وقلت: علي أن أدعو صديقا ما
لأخبره بأني مت
لكن لم أجد أحدا
وقلت: علي أن أمضي إلى قبري
لأملأه، فلم أجد الطريق(23)

2-8- نسق السوناتا:
 والسوناتا sonata هي تأليف موسيقي آلاتي يكتب لآلة واحدة منفردة، ويتركب من ثلاث أو أربع حركات، مثل سوناتات les sonates البيانو لبيتهوفن، وقد تميز درويش في ديوانه "سرير الغريبة" بسوناتاته السِّتِّ؛ التي تتفتح الروح فيها كما تتفتح في سوناتات بيتهوفن، فهو قد كتب سوناتاه على هذا المنوال، حيث يقول في إحدى سوناتاته التي جاءت على ثلاث حركات:
وَتَحْتَاجُ أُنْشُودَتيِ لِلتَّنَفُّسِ، لَا اُلشِّعْرُ شِعْرٌ
وَلَا اُلنَّثْرُ نَثْرٌ، حَلُمْتُ بِأَنَّكِ آخِرُ مَا قَالَهُ اُللهُ لِي
حِينَ رَأَيْتُكُمَا فِي اُلْمَنَامِ، فَكَانَ اُلْكَلاَمْ(24)

إن سوناتات درويش تفتح الذات على سماءين: سماء الشعر الجديد، وسماء موسيقى بيتهوفن المتجددة.



المبحث الثالث

تساوق الأنساق مع الدلالة والخيال



1- بنية الخيال المفارق:

لقد استعمل درويش الأنساق الصوتية السالفة لإضفاء بعد توليدي صوتي على منجزه الشعري، تتناسج فيه الصور والظلال والألوان والدلالات، وتتنامى، وتتناغم في سمفونية إيجابية يعزفها المخيال والوجدان بِوَلَهٍ على سلم الإنشاد دون نشاز وهذا هو ما يميز هذه الأنساق الصوتية المتوازنة التي استغلها درويش للدخول في أعماق الجماهير، فكان أن تفاعلت معه تفاعلا سحريا.
إنه تفاعل قائم على أمرين:
أولهما: غنى نصوص الشاعر بأنساق صوتية توازنية دالة على الفضاءات التخييلية والدلالية لهذه النصوص، ومتساوقة معها.
ثانيهما: استثمار درويش لهذه الأنساق الصوتية أثناء الإلقاء استثمارا ذكيا، وتلوين اللعب بها وفق حالات جمهوره، ووفق تأثيثات مكان الإنشاد. مما يجعل من اللقاء بالجمهور طقسا فريدا ومتفردا تمحى فيه الحواجز الروحية، بحيث يمسي الشاعر متكلما من داخل وجدانات المتلقين وكأنه هم، كما يمسي المتلقون وكأنهم الشاعر، يتكلمون من داخل وجدانه.
وذلك لأن الخيال عند درويش أتى على هيئة شعرية، فولد شيئا ما عند المتلقين وأحدثه، إن هذا الإحداث والتوليد أو الإثمار هو الخاصية التي تميز الخيال عن الاستعادة أو الاستحضار، فالخيال لدى درويش ليس استعاديا ولا إنتاجيا بالمعنى الذي ذكره كولريدج، بل إن له معنى متعلقا أكثر بالفعل الشاق، أي التوليد للعمل الخيالي(=القصيدة، اللوحة مثلا) بفعل الأداء الخيالي ذاته.
فالخيال في المنجز الشعري لدرويش يعيد إلى المتلقي ذاته باعتباره مرآة غير مرئية للذات الشعرية، فمن خلال الخيال الشعري تحدث مضاعفة للخيال والصور، وذلك عندما يولد الشاعر الأشياء في حالات التجلي التام لها(1) يولدها مستقلة عن الواقع تحت ضغط خياله.فالخيال؛ حسب غاستون باشلار Gaston Bachelard له استقلال حيال الواقع، وله أبعاده الدينامية المكونة لـ"الأمزجة المتخيلة" (2).
ومن هنا سنلفي بنية الخيال عند درويش تتحول من منطقة تشكيل الصور إلى منطقة أخرى تقوم على تغيير الصور التي يقدمها الإدراك، الأمر الذي يجعل من هذا الصنيع ذروة للبعد الحداثي، حيث يبني الخيال صورا تحررنا من الصور، ويقذفنا في تجربة الجدة والحداثة والإبداع والانفتاح، التي نكتسب فيها أبعادا معرفية وأونطولوجية قصوى، تتمثل شساعتها في شساعة الحلم الإنساني، ويقوم فيها المتخيل بدور جوهري، يجسده تكامل المتعارضات في أنظومة رمزية.
فدرويش؛ عبر خياله الدينامي، يصوغ الوجود والمجرى الأونطولوجي للذات، بالشعر في قوالب جمالية تتعالق فيها اللحظتان: الشعرية والميتافيزيقية تعالقا أونطولوجيا، وإن كان مسارهما الزماني مختلفا، حيث تحدد القصيدة بُعْدَهَا الزماني في تعارض مع الزمان الواقعي، وتنسج انسيابها في زمان إنساني جديد. وبهذا شكل شعر درويش سياقا زمانيا آخر مختلفا كليا عن كل التمثلات الإنسانية الأخرى، قاطعا مع اللحظات الإنسانية الأولى. فهو يضاعف الجدلية الزمنية، ويرفض الاستمرارية الهادئة للإحساس والاستنباط والاستراحة catagénique لأنه حركة وحلم وتوق تحمل كل قيم الجمال.(3) ولأجل هذا كانت القصيدة عنده وجودا يكنز دلالات شتى، تضفرها دلالة كلانية في حضارة المعنى، قصد تأويل المجرى الأونطولوجي للذات تأويلا يتساوق وأنساقها الصوتية.

2 - تأويل المجرى الأونطولوجي للذات:
فالذات في شعر درويش تبرز أكثر ما تبرز في المنحى التأويلي، وذلك لأن تأويل الذات Herméneutique du sujet وتحريرها هو الذي يجعلها ذاتا خلاقة، يمتلك وجودها بعدا جماليا وهو حقيقتها، التي لا تحجبها السلطة المختبئة تحت أقنعة إنسانية. فالفرد في زمن التعولم غدا متهوسا ومصابا بفيروس السلطة، فهو في أناه الباطنية the i inside ومن ثمة فهو حامل لسلطة تلاحقه وتتعقله في كل حركاته وسكناته، حتى أنه لم يعد بمكنته التخلص منها أو الإفلات من قبضتها، ومن خيوطها العنكبوتية المنسوجة في كل مكان. فهي تعكس معرفة دقيقة بالذات، وبجغرافية الجسد الداخلية والخارجية، وذلك تحت مظلة الانضباط العقلاني. فالذات- بكل حمـولاتها الفلسفية والسوسيولوجية والعقديـة  والإناسية والأسطورية والثقافية والجمالية - لا شرعية لها إلا إذا اعترفت بها السلطة، ومنحتها شارة الوجود.
وشعر درويش في هذه النقطة بالذات يعطينا ميكانيزمات وتقنيات تخييلية وجمالية تستطيع بها الذات الانفلات من ضغوط السلطات الخارجية والداخلية المحددة لسلوكاتها وممارساتها، والانزياح خارج المعرفة الرتيبة.(4) وهذا مكسب يكفي وحده للانهمام بشعر هذا الشاعر النادر، والانخراط في زمنه الجمالي الشعري بنبض حميمي. فهو قد حرر الذات شعريا من أوهام السلطة وفخاخها وأشراكها المقنعة، واحتفى كذلك شعريا بالجسد الذي احتقرته الثقافة الدينية وامتهنته، وأقصته من الحياة الفوارة بأسى الرغبات وأصفاها لصالح ما تسميه بالنفس أو الروح أو العقل؛ شعارها في ذلك هذا الصدى الغبي الآثم:
عليك بالنفس واستكمل فضائلها 
                    فـــأنت بالنفس لا بالجسم إنســـانُ

3- تضمين النفس في معنى الجسد:
وليست الفلسفة في بعض تياراتها بمعزل عن هذا السلوك الذي سلكته الثقافة الدينية مع الجسد، فهي قد فصلت في الإنسان بين النفس والجسد، واعتبرت ماهيته في كونه جوهرا يفكر، ويضبط نفسه، وجسده ليس سوى سفينة يوجهها ربان يسمى العقل أو النفس. وقد واجه درويش بشعره هذا التصور المغلوط عن الجسد، فهو قد لفت الانتباه إلى شيء هام جدا هو أولوية الجسد بالنسبة للنفس أو الوعي، إذ أن ما يسمى بالنفس ليس إلا انعكاسا لما يحصل في الجسد:
ها هي الكلمات تُرَفْرِفُ في جسدي نحلة
نَحْلَـةً.. لو كتبت على الأَزْرَقِ الأَزْرَقِ
اخضرت الأغنيات وعادت إلي الحياةْ(5)
فالكلمات لا ترفرف في العقل أو النفس أو الوعي، وإنما في الجسد، الذي تلحقه تغيرات وتأثرات من العالم الفيزيائي. ومن هنا تصبح النفس-وفقا لنيتشه- جزءا من الجسد(6). وهكذا يمكن القول إن النفس هي مجال للإخفاء والتمويه والتوهيم، وتجسيد للضعف والمراوغة، لا قدرة لها على مواجهة انفعالات الجسد وتحولات العالم:
كسل خفيف الوزن يطهو قهوتي
وَاُلْهَالُ يَصْهَلُ في الهواء وفي الجسدْ

- - - - -
- - - - -
- - - - -

في البيت أجلس، لا سعيدًا لا حزينًا
بَيْنَ بَيْنَ، ولا أبالي إن علمتُ بأنني
حقا أنا...أولا أحدْ (7)
والنفس ما هي إلا هذا الصهيل الذي يحدثه الهال في الهواء وفي الجسد دفعة واحدة، أو ذاك التحرش الذي تقوم به يد غامضة في موج الجسد، لتبترد من لَفْحِ ما يطرأ عليها من تحولات:
يد تتعالى. تثرثر حين يجف الكلام

- - - - -
- - - - -
- - - - -

يد تتذكر ما سوف يحدث عما قليلٍ

- - - - -
- - - - -
- - - - -

يد تأمر الجيش بالنوم في الثكنات، يد
تتحرش بالموج في جسدي(8)
ولهذا تجاوز درويش مفهوم النفس أو الوعي شعريا، وضمنه في معنى الجسد. فالجسد هو الذي يخلصنا من النظرة الأحادية للعالم، فننفتح على الاختلاف، والمتعدد عبر الإحساس، وبذلك يتم التخلص من جوهرية النفس، وصرامة مبادئ العقل، وأقنعة الوعي. إن الجسد المحرر هو في واقع الأمر تجدد لازمني، وتحرر من الأونطولوجيا والكرونـولوجيا، ونظرة جمالية للوجود، مجسدة لإبداع مستمر منفتح على الحرية ولإمكانات جديدة للحياة(9).

هوامش البحث:              

1-
1- صابر عبيد: نجومية محمود درويش طغيان التفاعل الجمهوري، مجلة (الرافد)، تصدر عن دائرة الشؤون الثقافية والإعلام، الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة، العدد 135، ذو القعدة 1429هـ/ نونبر 2008م، ص:98.
*صدرت الطبعة الأولى من "أثر الفراشة" في يناير 2008م، عن دار رياض الريس للكتب والنشر، قبل وفاة الشاعر في غشت 2008م، خلافا لما ذهب إليه الناقد الدكتور جابر عصفور في العدد 603 من مجلة (العربي)، الصادر في فبراير 2009م، حيث قال في تصدير مقالته المعنونة ب" أثر الفراشة": (أثر الفراشة هو الديوان الأخير الذي تركه محمود درويش، ورحل دون أن يسلمه المطبعة، فنشر بعد وفاته) وقد صدرت الطبعة الثانية لهذا الديوان؛ عن نفس الدار التي أصدرت طبعته الأولى؛ في يناير 2009م.
2- عبد السلام المساوي: جماليات الموت في شعر محمود درويش، ط1، دار الساقي، بيروت2009م، ص14.
3- المرجع السابق، ص ص: 163،164.
4- صبري حافظ: من المحو إلى الوجود في قلب العـالم مجلة (الآداب)، بيروت، العدد 10/11، أكتوبر/نونبر 2008م، السنة 56، ص:54.
5- فيصل دراج: شاعر المقاومة في جميع الأزمنة، مجلة (الآداب)، بيروت، العدد 10/11، أكتوبر/نونبر 2008م، السنة 56، ص: 63.
6- محمد صابر عبيد: نجومية محمود درويش، مرجع سابق، ص:97.
7- جابر عصفور: النقد الأدبي والهوية الثقافية، ط1، كتاب (دبي الثقافي) العدد 21، الإمارات العربية المتحدة، دبي، فبراير 2009 م، ص: 92.
2-
1- الزواوي بغورة: مفهوم البنية، مجلة (المناظرة) السنة 3، العدد3، يونيه 1992م، ص ص :95، 96.
2-محمود درويش: كزهر اللوز أو أبعد، ط3، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2009م، ص ص:22،21.
- إن لعبة الألوان في شعر درويش تتميز بالمكر والمخاتلة ولا تخضع للمدلولات المتعارف عليها فيزيقيا. فهو يوظفها توظيفا شعريا جماليا تارة، وتوظيفا فكريا ثقافيا تارة أخرى. فالأزرق الذي هو أكثر الألوان وجودا في الطبيعة، من حيث كونه يشكل ثلثي الكرة الأرضية، ويمثل لون الماء على اليابسة، ولون السماء، قد وظفه درويش توظيفا دالا على مطلق اللون الجميل العصي على السرقة، وعلى اللانهائي، فهو هوية بذاته ورمز تدور حوله الرموز، يستخدمه في حالات كثيرة بشكل غامض، لا بصفة هيئة بصرية مألوفة إنسانيا، فيصير اللون غريبا عن سياقه المعهود وذلك انسجاما مع توجهاته التحديثية في إعادة بناء الأشياء شعريا، حيث يوظفه رمزيا للتعبير عن المطلق:
قاوم إن التشابه للرمال..وأنت الأزرق
                                      "أعراس، ص 34"
وهكذا يكون اللون الأزرق عنده رمزا للمطلق في المكان وفي الزمان، فهو الأبدي:
يطير على غيمة لانهائية
ويدور مع الأزرق الأبدي
                                           "أرى ما أريد، ص: 14"
إن لغة اللون الأزرق عنده ترتدي دلالتها غلالة ضبابية، وخاصة حين نجده يغير الأشياء المحسوسة بلونها، مثل الظل، وهو الذي يدرك بلونه المتدرج من الأسود، فيصير أزرق:
ظلك الأزرق من يسحبه
من سريري كل ليله؟
                                 "ديوان محمود درويش، 1/445:
وذلك لإعطاء صاحبة اللون دلالة كونية هي المطلق، على سبيل المديح، وهو توظيف ثقافي، وصنعة تخييلية.
وتبقى"الجدارية" حقلا تتبادل فيه الألوان الدلالات بشكل تناظري بصريا، وتسابقي نفسيا، وذلك بنسب مختلفة في غلاف الديوان، وفي الجسد النصي برمته.
فالأخضر من بريقه إلى الدكنه المائلة للسواد ليعطي انطباعا بتآكل الذات. والأسود تجسيد للظلام وحالة العدمية، وتعميق لشعور الخوف والهلع من المجهول، وتحسيس للمتلقي بهبة العدمية. والأبيض دلالة على زمن البراءة والحلم الذي تحول إلى ما يشبه لون الرصاص. أما الأصفر فهو من الألوان التي تحمل تناقضها معها، إذ له علاقة مع الحب والرذيلة، ومن خاصيته الثبات والاحتواء الذاتي، والتعبير عن مركزية الحالة داخل سياقها.
إننا نعتقد أن الألوان عند محمود درويش تحمل في طياتها دلالة كلانية على الصراع الأزلي القائم بين الحياة التي يمثلها الخارج(=الأخضر، الأبيض، الأحمر، الأصفر، الأزرق) وبين الموت أو الفناء الذي يمثله الداخل(=الأسود وإلى التفوق النسبي لمدلولات الحياة على مدلولات الموت التي يجسدها الأسود الموجود في الداخل.
3- محمود درويش: كزهر اللوز أو أبعد، ط3، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2009، ص ص:23، 24.
1-   محمود درويش: أثر الفراشة، ط2، درا رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2009م، ص ص:131 ، 132.
2-   المرجع السابق، ص ص : 135، 136.
3-   نفسه، ص: 62
4-   نفسه، ص: 181
5-   كزهر اللوز أو أبعد، مذكور، ص ص: 73، 74.
المرجع السابق، ص ص : 15 ، 16
6-   نفسه، ص ص: 18 ، 19.
** وقد سبق لنا في القصائد التي نشرناها في سنوات الثمانينات أن انتهجنا فيها هذا النهج حيث قفينا مقاطعها بقافية موحدة استجابة للحالة التي تضعها فيها كل قصيدة على حدة، وما يتطلبه موقع التراكم الصوتي فيها. ودواويننا الثلاثة:"ولائم المعارج، "والخروج من ليل الجسد" و"حانة الروح" تضم بعضا من هذه القصائد.
7-   أثر الفراشة، مذكور، ص ص : 68 ، 69
8-   المرجع السابق/ ص ص: 87، 88.
9-   نفسه، ص ص 115 ، 116
10-       نفسه، ص ص: 127 ، 128
11-نفسه، ص ص: 198 ، 199.
12-نفسه، ص ص: 231 ، 232.
13-كزهر اللوز أو أبعد، مشار إليه، ص ص : 33 ، 34.
14-المرجع السابق، ص37
15-      نفسه، ص39
16-      نفسه، ص ص : 45 ، 46.
17-      نفسه، ص ص 77 ، 78
18-      نفسه، ص ص: 89، 90.
19-       أثر الفراشة، سبق ذكره، ص ص: 181.
20-      محمود درويش: سرير الغريبة، ط2 دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2000م، ص: 19 – وانظر:
محمود درويش: الأعمال الجديدة الكاملة، ط1، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2009م،/9.

3-

1-   د. شاكر عبد الحميد: الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي سلسلة (عالم المعرفة)، العدد 360، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، فبراير 2009م، ص ص: 221، 222.
2-   سعيد بوخليط: باشلاريات غاستون باشلار بين ذكاء العلم وجمالية القصيدة، ط1، منشورات فكر، سلسلة فكر الجيب، الرباط 2009م، ص:23.
3-                          Gaston Bachelard : L’air et les songes, essai sur l’imagination du mouvement, librairie José corti 1944, 11ème réimpression 1978,PP :61,206
4-   حسين موسى: الفرد والمجتمع عند مشال فوكو، لاط، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2009م، ص ص: 137 ، 138.
5-   محمود درويش: كزهر اللوز أو أبعد، ط3، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2009م، ص: 45.
6-   سمير الزغبي: فردريك نيتشة/ فلسفة الفن والوهم وإبداع الحياة لاط، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2009 م، ص ص: 93، 94 .
7-   المرجع السابق، ص ص: 52 ، 53.
8-   نفسه، ص ص: 77 ، 78.
9-   سمير الزغبي: فردريك  نيتشة، مذكور، ص:99.


استخلاصات

1- اختلاف مع العالم المعتم:

نستخلص من هذه الرحلة في فضاء اللعبة الشعرية عند درويش، وأنساق التوازن الصوتي فيه، وتمظهراتها المشكلة للمعنى، أن الشاعر درويشا ليس مبدعا عاديا، وإنما هو مبدع إشكالي في حياته وقصيدته، فهو قد جاء إلى هذا العالم المعتم The dark لا ليأتلف معه كبقية الناس، بل ليختلف معه كليا في سياقاته، بحيث ينقله من "هاديسْ" إلى الفراديس، من قسوة "اللوجوس" إلى مباهج " الميثوس"، من الموت إلى الحب. فعالمنا الراهن قد أصبحت فيه الحياة قائمة أساسا على غياب كل تراتب، وذلك لأن هدف الإنتاج فيه لا يرمي إلا إلى الفراغ الموحد الذي يغيب فيه الاختلاف. فهو وراء ظواهر تبدو وكأن لاشيء يجمع بينها، مثل أنماط العيش والتفكير، واجتثاث المكان والزمان، وإضفاء طابع الحياد عليها، وفقدان الشعور بالقرب والبعد، وفقدان الحساسية إزاء الآلام الشديدة الناتجة عن الحروب والكوارث والصراعات العنصرية والدينية والعرقية والإيديولوجية حيث غدت مشاهدها مكرورة مألوفة، إضافة إلى تطويع الرأي العام وتوحيده عن طريق الإعلام إلى حد العبودية.
فالتقنية فيه انحلت إلى نمطٍ لتجلي الموجود، مما أدى إلى اختفاء الوجود، وظهوره كمستودع أصبح فيه الإنسان- بمعارفه وأنظمته الاجتماعية والسياسية، وأساليب حياته وإبداعاته، وتنظيمه لفضاءاته – هو كذلك يشكل جزءا من هذا المستودع، بحيث صار الموجود موحد الشكل، عسكري المظهر حتى وإن كان من غير بذلة uniforme sans uniformes آلي العمق والوجدان، مسلوب الإرادة التي هي أعلى تمظهرات الحرية.

2- فرضيات للمعنى:
ولقد وضعت المقاربة السالفة يدها على هذا، سواء في جانبها الوصفي المتعلق بأنساق التوازن الصوتي في شعر  الشاعر، أو في جانبها التأويلي المتجه نحو تساوق هذه الأنماط الصوتية مع بنية الخيال والدلالة، حيث قامت بما يلي:
أولا: إظهار العناصر الصوتية التركيبية الصغرى والكبرى في شعر الشاعر.
ثانيا: تحويلها إلى علامات دالة.
ثالثا: تأويل هذه العلامات بشكل منسجم يفتح المعنى على آفاق لانهائية في المنجز الشعري للشاعر.
رابعا: إبراز الإمكانيات التي يتيحها لنا التوازن الصوتي، فهو مثلا يمكننا من توليد نصوص متعددة صغرى من داخل النص الواحد، بمعان جديدة، وبنفس لغة الشاعر.
خامسا: الكشف عن الارتباط العميق القائم بين الإنشاد المتألق وبين التوازن الصوتي. فهو ارتباط عضوي وبنيوي، فحين يشحب التوازن الصوتي أو ينعدم يصير الإنشاد نشازا أو ضجيجا نثريا.
3- تجسيد مضمون الفهم :

ولم يقف التوازن الصوتي عند هذا الحد، وإنما ساهم في عملية التأويل، من حيث تجسيده الشكلي لمضمون الفهم، فكان وسيلةً مكنت من فك شفرة السَّنَنِ في ارتباطه بالواقع الاجتماعي والإنساني والثقافي، فهو بؤرة التقاطع بين التأويل والفهم. والتأويل عماده وجود إشكالية الفهم بما هو كينونة قائمة بذاتهـا، ينحو إلى كشف الظـواهر، وتصنيفها كموضوعات ذات أبعاد منفتحة على الذات والعالم.
ويتحصل من هذا أن التأويل المضاء بالتوازن الصوتي قد كشف لنا عن بنيات داخلية هامة في شعر درويش، ومن خلالها عن حقائق مضمرة لاعتبارات تاريخية وإيديولوجية وثقافية ودينية، وهذه الحقائق هي:
1-  تحويل الموت إلى الحيـاة، بعد تذويتـه ومحاورته واكتشاف لعبته المتمثلة في كونه مجرد عبث وفوضى في الحواس، وأن جوهر الإنسان أقوى من جوهر الموت.
2-  شرعية الذات في مجـراها الأونطولـوجي - بكل حمولاتها- آتية من ماهيتـها المتحررة، لا من مـاهية السلطة، وأقنعة أوهامها.
3-      تمجيد الجسد باعتباره مركز المعنى في الوجود، وأُسُّ حضارته.
هذا هو درويش، الشاعر المحلق في زرقة الأبدية بأجنحة المعنى المتجدد، المسكون بمجهول القصيدة.

المصادر والمراجع

أ-  الدواوين والكتب

1- محمود درويش: ديوان محمود درويش، ط 14، دار العودة، بيروت: 1994م.
2- محمود درويش: أعراس، ط 3، دار العودة، بيروت 1982م.
3- محمود درويش: أرى ما أريد، ط 3، دار العودة بيروت 1990م.
4- محمود درويش:كزهر اللوز أو أبعد، ط3، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2009م
5- محمود درويش: أثر الفراشة، ط2، دار رياض الريس للكتب والنشر، بيروت 2009م
6- محمود درويش: الأعمال الجديدة الكاملة، ط1، دار رياض الريس، بيروت 2009م.
7 -محمود درويش: الأعمال الأولى، ط 1، دار رياض الريس بيروت 2005م
8- محمود درويش: لا تعتذر كما فعلت، ط2، دار رياض الريس، بيروت 2004.
9- محمود درويش: لماذا تركت الحصان وحيدا، ط 3 دار رياض الريس، بيروت 2001م.
10- محمود درويش: سرير الغريبة، ط2، دار رياض الريس بيروت 2000م.
11- محمود درويش: جدارية، ط2، دار رياض الريس، بيروت 2001م.
12- سعيد بوخليط: باشلاريات غاستون باشلار بين ذكاء العلم وجمالية القصيدة، ط1 منشورات فكر، سلسلة فكر الجيب، الرباط 2009م.
13- د.شاكر عبد الحميد: الخيال من الكهف إلى الواقع الافتراضي، سلسلة (عالم المعرفة)، العدد 360، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت فبراير 2009م.
14- حسين موسى: الفرد والمجتمع عند مشال فوكو/ لاط، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2009م
15- سمير الزغبي: فردريك نيتشة/فلسفة الفن والوهم وإبداع الحياة، لاط، دار التنوير للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت 2009م.
16- Gaston Bachelard: l’air et les songes, essai sur l’imagination du mouvement, librairie José corti 1944, 11 ème réimpression 1978,PP,61, 206.
17- عبد السلام المساوي: جماليات الموت في شعر محمود درويش، ط 1، دار الساقي، بيروت 2009 م.
18- جابر عصفور: النقد الأدبي والهويـة الثقافية، كتـاب (دبي الثقافية) العدد 21، الإمارات العربية المتحدة، دبي، فبراير 2009م.

ب- الدوريات
1- مجلة (الرافد)، تصدر عن دائرة الشؤون الثقافية والإعلام، الشارقة، دولة الإمارات العربية المتحدة، العدد 135، ذو القعدة 1429هـ / نونبر 2008م.
 2- مجلة (العربي) تصدر عن وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد 603، فبراير 2009م.
3- مجلة (الآداب)، بيروت، العدد 10/11، أكتوبر/نونبر2008م السنة 56.
4 - مجلة (المناظرة)، السنة الثالثة، العدد 3، يونيه 1992م.


إصدارات الكاتب


* الدواوين الشعرية

       1.    زمن الغربة                                               1979
       2.    الكتابة على ألواح الدم                         1984
       3.    العبور من تحت إبط الموت                       1994
       4.    طائر من أرض السِّمْسِمَة                        1995
       5.    ولائم المعارج                                    2003
       6.    الخروج من ليل الجسد                          2006
       7.    حانة الروح                                     2007

* الدراسات والبحوث

1- شعرية الحمَّامات                               1997  
2- الـمَنزع الصوفي عند ابن البنَّاء              1997
3- خطاب الأحوال في التصوف المغربي           1999
1- موقف ابن رشد من إشكالية المعرفة الصوفية 2001
2- الزاوية الرحالية: مؤسسها وأذكارُها           2006
3- في تحولات الكتاب وجمالية التلقي              2006
4- الخط العربي وعلم الحرف: جماليات وأسرار    2007
5- جماليات الكتابة بالنسق الثلاثي:                2009
          (مقاربة منفتحة لشعر مليكة العاصمي)
6- الرؤية الصوفية للجمال                        2009
          (منطلقاتها الكونية وأبعادها الوجودية)
له قيد الطبع


       1.    زَبَرْجَدُ الآفاق (شعر)
       2.    مُصحف الأحوال يليه حديث الأشكال )شعثريات(
       3.    ديوان الحمَّامَات (دراسة وتحقيق)
       4.    شعرية الحمَّامَات: الفضاء والمتخيَّل (الجزء الثاني)
       5.    البُرج الثالث عشر من أفلاك الجسد (شعر)
       6.    الجسد الروحي: فضاءات وأسرار (دراسة)
       7.    إنسان عرفاني من أجل عصر أكمه المعاني (بحث)
       8.    أبجدية الوجود: دراسة في مراتب الحروف ومراتب الوجود                                                                                             عند ابن عربي
       9.    هوامش على قراءات
     10.  شرح رائية الجنيد في التصوف، للشيخ أبي العباس أحمد التيجاني، ضبط وتحقيق.
     11.  فلسفة محمد إقبال التجديدية. )أسسها الدينية وتأثيراتها في الفكر والأدب المعاصرين(.





ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق